الأخوة والرفاق والوحدة الوطنية
تفاجئُنا الأخبار يومياً بأعداد القتلى والجرحى في فلسطين على أيدي الأخوة ، ولا حول ولا قوة لنا ولسكان فلسطين بما يجري سوى سؤال المولى عز وجل أن يصلح الحال ، وأملنا بالله كبير أن يهديء النفوس وتستقر الأمور ولا تصل إلى حرب أهلية تأخذ الأخضر واليابس .
(( الوقت .. مساء أحد أيام الربيع الجميلة .. مساء نيساني لطيف .. ومع صفاء الجو .. وإحمرار الأفق.. تتدفق المياه من نوافير الحديقة الغناء ... فتعطي الإنسان شعوراً جميلاً وإحساساً أجمل وأرق .. وتسبغ على نسمات الهواء المحيطة بالحديقة نعومة وشفافية فائقة .
الحديقة واسعة وجميلة جداً بأشجارها الخضراء الفارعة الطول والكثيفة الأوراق والأغصان ....والتي تحد الحديقة من كافة جوانبها فتتسلل أشعة الشمس الحمراء من بين الأوراق والأغصان لتجد لها مكاناً في هذه الحديقة لتزيدها جمالاً فوق جمالها . ... والشجيرات الصغيرة المزهرة دوماً بألوانها المختلفة ورائحتها الزكية تثلج الصدور وتفتح العقول تنتشر في كافة أرجاء الحديقة .... وفي وسط الحديقة حوض مائي كبير نسبياً أبدعته أيدي فناني هذا البلد برسومات ومنحوتات جميلة وزخارف أنيقة ... ووسط الحوض ترقد نافورة ضخمة تتطاير منا المياه عالياً .
رائحة التمباك الجميلة المصحوبة رائحة الفحم المحروق تنتشر بسرعة فوق موائد الحديقة الكثيرة لتداعب أنوف المتنزهين والزبائن الموجودين .
هدوء هذه الحديقة العجيب يضفي عليها جمالاً وسحراً فوق جمال ديكوراتها وروعتها ... فهذا الهدوء المشهود لها بالإنفراد به بين كافة الحدائق والمتنزهات هو سبب إزدحامها الدائم والمستمر بالزبائن زالمتنزهين من ساعات الصباح الباكر ولغاية ساعات ما بعد منتصف الليل ويومياً ودون إنقطاع . ... حيث حيث يرفد هذه الحديقة ويزورها أو بالأصح من زبائنها الدائمين .. رجال أعمال ..مفكرين ... كتاب ..أدباء ...شعراء ...فنانين ...رسامين ...صحفيين ..ومن مختلف الجنسيات فهنا تجتمع جنسيات وعقليات وخلفيات متنوعة توحدها جميعاً هذه الحديقة . بقانون غير مكتوب ولا موضوع ولا موجود أصلاً وإنما أتفق على وجوده دونما سابق دراسة ...فكل داخل لهذه الحديقة يعرف هذا القانون وهذا النظام ..فهو يعرف أن هناك أناس حضروا لهنا ليستريحوا من عناء الحياة فيجب أن لا نزعجهم ... وأن هناك البعض حضر لكي يكتب أفكاره .. فيجب أن لا نقطع عليهم أفكارهم ونشتتها ...بأصواتنا المرتفعة وصراخنا الدائم وضحكاتنا المعتادة خارج هذه الحديقة .
فهذه الحديقة لها حرمتها ومكانتها لكل إنسان مثقف ولكل إنسان إنسان يسعر ويحس ويفهم ... لأن هذه الحديقة تضم بين جنباتها كبار المفكرين والمبدعين والتجار ورجال الأعمال من هذا البلد وضيوفهم حضروا ليس للمرح ولا للسكر والعربدة وإنا ليتدارسوا في أمور تخصهم أولاً ومن ثم وبالتالي تهم المجتمع بشكل عام والقطاع الثقافي والصناعي والتجاري والعلمي أيضاً .... ولهذا يجب المحافظة على الهدوء دون حاجة إلى تعليق يافطه بذلك .
ومن ميزات هذه الحديقة والحمد لله أنمها لا تقدم الخمور أبداً .
أكثر الأوقات إزدحاماً هوبعد الساعة الرابعة عصراً يومياً .
من بين الرواد الدائمين لهذه الحديقة شاب يدعى سمير خضر ...حنطي البشرة ذو شعر أجعد قصير ... تقرأ حين تنظر الى وجهه علامات إستفهام كثيرة وكبيرة وغريبة فهو دائم الحزن ... منطو على نفسه ... وحيداً دائماً ..من الصعب بمكان أن ترتسم على شفتيه إبتسامه .
هذا المساء هو مساء أول أربعاء من شهر نيسان الجميل حيث كان سمير يجلس وكالمعتاد على مائدته المعتادة أيضاً في زاوية الحديقة البعيدة كي لا تلاحقة نظرات رواد الحديقة ..... كان جالساً يسحب من نرجيلته نفساً تقرقر له المياه المحتشدة داخل زجاجتها المزدانه بوردة حمراء يخصه بها عامل النراجيل .. ثم يضع البربيش على طرف المائدة ليتفرغ لعمله وهوايته وإبداعه حيث كتبه وأوراقه تخفي غطاء المائدة الأحمر الجميل ... تلك الأوراق والكتب التي هي بنظره رزقه ومعاشه ولقمة عيشه لأنه بها ومنها يعتاش ...فهو حين ينكب على كتبه وأوراقه لا يجب أن يدخل أحد الى عالمه هذا حيث تراه منسجماً جداً مع أفكاره التي يخطها على الأوراق وتلك التي يستنبطها من الكتب للإستفادة والإسترشاد بها في كتاباته وصياغة آراءه وأفكاره .
كما تراه أحياناً أخرى لا يأبه بكل ما حوله من كتب وأوراق من شجر وزهور ويكون سارحاً شارد الذهن بعيداً مفكراً لا تعرف بماذا يفكر وبما هو سارح .
وكما تراه أحياناً أخرى يخط ويرسم بقلمه فوق الورق خطوطاً ورموزاً لا معنى لها أو من الممكن أن يكون لها معنى لا يستطيع فهمه أو التعبير عنه سواه .
ذاك هو سمير خضر الكاتب الجاد في صحيفة البلد الجديد الأسبوعية والتي تعنى بالثقافة والأدب والفكر الجاد والتحليل العلمي .... وسمير صاحب قلم لامع ...يخوض الى أعماق الفكر الإنساني ليخرج لنا بحصيلة علمية وكفاءة ثقافية بارزةوعلامه من علامات تقدم بلدنا الحبيب .
--- أستاذ سمير .. أستاذ سمير .
قالها النادل الشاب كاسراً حاجز السكون والهدوء ,,قالها وهو خائف من عواقب هذا الإزعاج الذي لم يقو أحد على فعله مع الأستاذ سمير الذي إعتاد على عدم الإزعاج مهما كان السبب أو دخول عالمه الروحي هذا حتى بأدق المواقف وأصعبها .
مع كل هذا ومع ترديد إسم سمير وأستاذ سمير عدة مرات إلا أنه كان سارحاً ومنشداً لكتبه الذي بيده سوى أن خطوة واحدة خطاها النادل بإتجاهه ثم أعاد تكرار لفت نظر الأستاذ بمناداة إسمه بصوت مرتفع قليلاً أكثر من السابق .. أستاذ سمير...... أستاذ سميرخضر .
-- التفت الأستاذ إليه منزعجاً وهو يضع الكتاب على المائدة بعصبية ملحوظة . .. نعم .. نعم يا أخي ... حاضر أية خدمة ؟؟؟
-- إزداد إحمرار وجه النادل أكثر وأكثر ... وإعتقد أن هذا اليوم سيكون يومه الأخير في هذه الحديقة .. حيث أنه أزعج أحد الزبائن فيها .. ولكنه تمالك نفسه وأجاب الأستاذ سمير قائلاً : عفواً ..أسف لإزعاجك سيدي ولكن ..........
-- سمير : ولكن ماذا ؟؟؟؟؟؟
-- النادل : تلفون .... تلفون لك سيدي ... في مكتب الإستعلامات .
-- سمير : تلفون من من ؟؟؟
-- النادل : لا أعرف بالضبط .
-- سمير : ألم يقل من هو ؟؟
-- النادل : لا يا سيدي إنها فتاة .
-- سمير مستغرباً الأمر حيث قال للنادل : غريب لا أحد يعرف بمكاني هنا .
-- النادل : عفواً .. إنها بالإنتظار على التلفون ... هل ترغب في محادثتها ؟؟
-- سمير : بالطبع .. بالطبع
-- النادل طالباً الإذن بالإنصراف .. وإنسحب ببطيء من جوار مائدة الأستاذ سمير .
فكر سمير ملياً عله يستهدي لتخيل من تكون تلك التي إتصلت به هنا ، مع العلم أن لا أحد يعلم بمكانه ، إذ أنه لم يعلم ولم يخبر أحداً بذلك فهو يحضر لهنا للراحة والإسترخاء أو لكتابة بعض المقالات أو للقراءة ، وفي جميع هذه الحالات يرغب بأن يكون وحيداً لا يشاركه عزلته هذه أحداً حتى ولو كان مقرباً منه .
ولكنه أحب أن يعرف من تكون تلك الفاتة ولهذا نهض من على كرسيه بصعوبة ، بعد أ، إستند بكلتا يديه على المائدة وأزاح بعد ذلك بيده اليسرى ساقه اليسرى المصابة والتي أصابتها شظية غادرة في إحدى الغارات على أحد مواقع العدو قبل سبع سنوات حيث كان سمير أحد القادة البارزين في مجموهة العمل الفدائي ضد الإحتلال ، وفي تلك الليلة السوداء من ليالي كانون الأول الباردة وبالتحديد في العشرين منه ، حيث صدرت الأوامر من القيادة العليا بالتوجه الى الحدود الشمالية للوطن المحتل ، لأنه وبهذه الليلة بالذات سيمر من تلك المنطقة ، فوق سفح الجبل الغربي قائد القوات السلحة الصهيونية لتفقد حرس الحدود في هذه المنطقة الإستراتيجية .
والمطلوب من هذه الفرقة الفدائية التي كان سمير خضر قائداً لها هو مواجهة قائد قوات العدو والفرقة المرافقة له والقضاء عليها .
فرقة سمير كانت فرقة إنتحارية قامت بأكثر من عملية داخل حدود الوطن المحتل ، وعادت مرفوعة الرأس سالم كل أفرادها بحمد الله بعد أن أدت كل مهامها المناطة بها بنجاح .
أما هذه المهمة فقد كانت صعبة جداً حيث كان عدد الأفراد الذين تقرر إرسالهم بهذه المهمة عشرة أشخاص من بينهم فتاتين وقائد المجموعة الذي هو سمير خضر .
في حوالي الساعة العاشرة ليلاً تحرك الشباب الى أحد المواقع المتقدمة على الحدود الشمالية قبالة الجبل الغربي المقصود الوصول له حيث رسمت الخطط والخطط البديلة لإقتحام الحواجز والتخلص من الألغام المزروعة على طول الحدود ..
شرح سمير لرفاقة سير الخطة وبدء بتنفيذها في تمام الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل حيث إنقسمت الفرقة إلى ثلاثة مجموعات ، مجموعة يقودها قائد الفرقة سمير مع إحدى الفتيات ورفيق أخر ، والمجموعة الثانية أربع شباب ، والثالثة ثلاث شباب وفتاة .
وكانت مهمة المجموعة الأولى توجيه المجموعتين والحراسة ومتابعة تحركات العدو ورصدها والإتصال بالمجموعتين حيث يكون الجميع على إتصال مستمر .
والمجموعة الأولى بدورها تكون على إتصال دائم بالقيادة ، ومن هنا بدأت المعركة الحاسمة حيث مرت أكثر من ساعة ونصف حتى إستطاع الرفاق تجاوز الحدود وإكتساح الألغام وفك الحواجز والقفز عنها وكل فرد منهم يعرف مهمته المرسومه له .
المجموعة الثانية ، كانت مهمتها التحرش بالعدو ومساندة المجموعة الثالثة .
المجموعة الثالثة ، فمهمتها هي المهمة المحورية والأساسية ألا وهي قصف وسحق العدو بمساندة ومساعدة المجموعة الثانية وبراقبة المجموعة الأولى وتوجيهاتها .
وحين أزفت الساعة وبالضبط الساعة الثانية وخمس وثلاثون دقيقة تماماً إقتربت دورية معادية من الكمين الذي نصبه الفدائيون وبعدها رتل من السيارات العسكرية كان بإحداها قائد الجيش ، وهنا كانت البداية حيث أمر سمير رجاله بإطلاق النار على الاسيارات والتحرش بهم ريثما يستعد رجال المجموعة الثالثة للهجوم والإنقضاض على العدو ، وبالفعل كان ما أراد وما خطط له سمير حيث إصابت المجموعة الثانية الدورية الإسرائيلية التي في المقدمة والسيارة الموجودة مؤخرة الرتل وأعطبتهما وعطلتهما عن الحركة إذ بذلك سدت الطريق على المجموعة الإسرائيلية ومنعتها من الحركة وأصبحت المهمة سهلة على المجموعة الثالثة التي مهمتها إبادة العدو المتواجد في هذه المنطقة ... حيث فتحت النيران على العدو من كل إتجاه من الأسلحة الأتوماتيكية السريعة ومضادات الدبابات والأسلحة الحارقة حيث أصاب الشباب الكثير من أفراد العدو ومع هذا فقد تمكن قائد قوات العدو من الإحتماء خلف إحدى الدبابات المرافقة له والتي كانت قريبة منه ولكن لم تطل مدة إحتماءة بها حيث أن أحد الرفاق وأسمه أحمد من المجموعة الثانية لم يستطع رؤيته حياً ، بعد كل القصف التي تعرض له ، فتحزم بحزام متفجر ومشتعل وحمل بيده قنبلة يدوية وأسرع نحو الدبابة ورشاشات العوزي الإسرائيلية تمطره بوابل من الرشقات إلا أنه ولسرعته وخفته وحيويته إستمر بالركض نحو الدبابة وقذف بنفسه وبالقنبلة وسط الدبابة فأصبحت كتلة ملتهبة من الحديد والنار ، وفي هذه الأثناء تنبه الجنود الأعداء لموقع الفدائيين فوجهوا نيران أسلحتهم على الموقع الذي خرج منه الشهيد أحمد فكانت الفاجعة الكبرى حيث إستشهد الرفاق الثلاث رفاق أحمد في مجموعته لكن العدو أيضاً قتل منه عدد لا بأس به وتمكنت خلال هذا الوقت إحدى الدبابات من دفع الدورية التي تحترق في المقدمة وإلقائها بالواد السحيق بالطبع بعد إخلاء الجنود منها ، وبذلك تمكنت السيارات التي خلفها من الإنسحاب من الموقع ولكن بعد تل قائد الجيش العدو وبعد مرافقيه من الأعداء وكان عدد القتلى أكثر من عشرة .
لم يكتف الأبطال بهذا الإنتصار بل عاهدوا أنفسهم بأن لا يعودوا بدون الثأر لرفاقهم الذين إستشهدوا في هذه المعركة فزادوا من حدة القصف ودقة التصويب حيث تمكنوا من قتل وجرح بعض الأعداء المتبقين في الموقع في حين جرح إثنان من الفدائيين الأبطال فإنشغلت الفتاة المرافقة معهم بإسعاف من جرحوا وظل الرفيق الرابع يقاتل وحيداً ، في هذه الأثناء رأى سمير قوة وشراسة القصف الإسرائيلي على موقع المجموعة الثالثة فلم يستطع الوقوف متفرجاً فحمل سلاحه وطلب من رفيقه إستلام جهاز الإتصال من زميلته المرافقة واللحاق به للإنضمام للمعركة .
وبالطريق للموقع الجديد القريب من موقع المجموعة الثالثة كان رفيق القائد سمير يغطي الطريق أمام سمير الذي يركض مسرعاً لإتخاذ موقع مناسب قريب من العدو ........ أربك هذا القصف رجال العدو الذين شتت رشقات أسلحتهم مما جعل الرفيق الوحيد العامل في المجموعة الثالثة يستغل هذه الفرصة للقصف المركز على مقدمة جيش العدو فقتل منهم ما قتل وجرح ما جرح ، ولكن جاء العون الإسرائيلي الجوي في هذه الأثناء التي كانت ستنتهي به المعركة لصالح الشباب لولا هذه الطائرة اللعينة التي قصفت الموقع فإستشهد الأبطال جميعاً سوى سمير الذي جرح بأكثر من منطقة في جسمه وكان أبلغها عمقاً تلك الشظية التي إستقرت في فخذه الأيسر فأغمي عليه لفترة أكثر من ساعتين كان العدو يعتقد أنه إستشهد ولهذا وبعد تفتيش المنطقة وتأكده من عدم وجود أحياء من الفدائيين تركوا المنطقة حاملين معهم قائدهم العسكري دون أن تسعفه الفرصة تفقد حرس الحدود أو الإطلاع على سير العمل هناك .
تذكر سمير هذه الحادثة وهو يخطو ببطيء نحو مكتب الإستعلامات للرد على الهاتف وليجد المتصل الرفيقة سعاد فرحب بها كثيرا ودعاها لزيارته في الحديقة حيث لم يرها منذ ست سنوات حيث كانت في الغربة والشتات .
فهذا المصير حالياً الغربة والشتات وعدم تذكر البعض لأعمال الأبطال
وعاد سمير ليكمل قراءته وكتابته لمقالاته وأبحاثه ولينتظر بفارغ الصبر مقابلة إحدى الرفيقات والأخوات اللواتي ساهمن بالعمل النضالي ضد العدو .
فهل من متذكر ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وهل من معتبر ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
هذه قصتي كتبتها في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي ولكن وللظروف الراهنة ولما يمر به وطننا الحبيب فلسطين وددت أن أعيد نشرها وأود أن تنال إعجابكم كما أتمنى أن تنال رضا كل المناضلين الشرفاء الذين يودون ويرغبون بالوحدة الوطنية رمزاً للنضال والمتابعة والإستمرار حتى تحقيق الحلم الفلسطيني بوجود دولة مستقلة ذات سيادة حرة
هذه حروفي المتواضعة أمل وكلي أمل أن تكون الحافز للتواصل والإلتقاء أخوة ورفاق معاً لهدف واحد لا بديل عنه .























18 فبراير, 2007 09:56 م