ذكريات طفل فلسطيني
سأعتمد على ذاكرتي في هذا النص إعتمادا كليا ...فأنا كنت بذلك التاريخ المشؤوم لم أتجاوز العاشرة من عمري ..كنت أعمل في بقالة العائلة كون العطلة المدرسية قد بدأت .. وكنا نوصل البضائع لمنازل الناس ..وبهذا اليوم كانت القدس في أبهى حللها ، فهي دائما جميلة وعروس بديعة ، شمس ذلك اليوم كان إشراقها حار جدا على عكس الحال الطبيعي ، واليافطات واللواصق على كل الحيطان والجدران ، ( اللهم إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة ) وغيرها من ملصقات عن الصواريخ التي ستدك تل أبيب وسترمي اليهود في البحر حتى يشبع السمك من جثثهم ، وغير ذلك من شعارات كنا مفتونين بها ، وما أن دقت الساعة العاشرة من صباح يوم الإثنين الموافق الخامس لشهر حزيران 1967 حتى سمعناعن أن إطلاق النيران بدأت على الجبهة المصرية وتلتها الجبهة السورية ، وأن عدد من الطائرات لجيش العدو قد أسقطت ، وبدأت حالة من الإستنفار تتجلى على جنود الجيش العربي في المعسكر المجاور لنا ، وإمتلأ ت البقالة في الناس الذين يودون شراء أكبر قدر من المؤونه لما هو قادم من أيام ، أغلقنا الدكان وأسرعنا الى البيوت أو بالأصح الى الراديوهات لسماع أخبار الحرب الذي إنتظرناها كثيرا وأجرينا في المدرسة العديد من التجارب والتمارين على الإستلقاء على الأرض في حالة وجود طيران حربي معادي فوقنا وغير ذلك من التمارين ، وبالفعل إستقر القرار بنا في إحدى ساحات الحوش الكبيرة التي تستوعب أهل العائلة كاملة ضمنه وجلس الكبار يستمعون للراديو الكبير جدا وأخباره الهامة ونحن الأولاد ننقل لهم الدخان والشاي والقهوة ونجلس بجوارهم نستمع معهم لما يحدث ، ونعد كم طائرة سقطت وكم جندي قتل من العدو ، وهللنا كثيرا ، وكبرنا أكثر ، ولكن شربنا في أحد المرات شاي بالملح لأن أمي تخربطت من الخوف ووضعت الملح بدلا من السكر فيه ، ولم يطل الوضع على هذا الحال فما أن تجمع رجالات الحوش الكبير في هذه الساحة حتى قرروا أن نذهب لأحد البيوت الكبيرة ونجلس هناك أو لنقل لنحتمي هناك من القصف والحرب ، وسألنا عن بعض الشباب وكانوا غير موجودين فلم يجبنا أحد وعرفنا بعدها أنهم مع الجيش وأن بعض اخواتنا مع الهلال الأحمر تتطوعوا للخدمة ، الحمد لله ، تجمع عدد كبير من الأهل وبقي الرجال في الخارج وقتا اطول ، أحضرت النسوة كل واحدة من منزلها بعض المؤن والحاجيات والبطانيات والفرشات وساعدناهن بذلك ، المهم قضينا يومين ونحن نسمع أخبار أخبار أخبار حتى تشتت الفكر وحار، وجلس الشباب الذين اكبر من عمرا يحكون لنا قصص عن عرب أبطال مثال عبد الناصر وكيف صار بطلا وحارب في فلسطين وكنا بالفعل نسمع عنه وعن ما سيفعلة باليهود عن النصر عليهم ، في اليوم الثالث على ما أعتقد وصلت الأخبار الصحيحة والفعلية بأن اليهود إحتلوا القدس وأنهم على مشارف باب العامود والشيخ جراح وزادالناس المبلغون للأخبار إشاعات هي من قبيل الخوف علينا وعلى بناتنا وأطفالنا بأنهم ( اليهود ) يقتلون ويذبحون وينكلون بمن يشاهدوه في الشوارع وأي بيت يدخلونه يقتلون من فيه وينكلون بنسائه ....... مما أدخل الرعب والهيجان في قلوب النساء والرجال على حد سواء ...........وبالفعل كان ما خطط له من هذه الإشاعات أن تجمعنا وقررنا الرحيل الى أريحا للتفكير بالمصير بصورة أفضل وأهدأ ....وكان لدينا عم سائق على باصات أريحا القدس والباص معه تجمعنا به وأخذنا ما إستطعنا حمله .... سرنا في الطريق الرئيس من رأس العامود في سلوان القدس نزولا الى أبوديس والعيزرية والخان الأحمر ( خان السلاونه ) سمي حاليا ( معاليه أدوميم ) ثم الى عقبة جبر فأريحا وفي الطريق كنا نرى دبابات على جوانب الطريق معطله والشوارع مدمرة يا دوب تمر بها سيارة صغيرة مما يعني أننا وصلنا بصعوبة قصوى إلى شارع فلسطين باريحا وفي أخره وبعد المدرسة هناك منزل تحت الإنشاء لأحد الأقارب المقيمين في أريحا وصلنا لعنده ورحب بنا وكان الوقت عصرا ، تناولنا الغداء على ما قسم ، وتوزعنا في غرف المنزل غير المشطب لغاية الأن وبدون شبابيك ولا أبواب ، وبالليل ياليل شو شفنا الدنيا صارت بالألوان كل أنواع الطائرات تحوم وتقصف وألوانها وأصواتها تغير لون الليل وهدوء أريحا المعروف عنها ، المهم نام من إستطاع النوم منا ولو لدقائق ، وإستمر الحال على ما هو عليه حتى بدأ بزوغ الفجر ، ركبنا الباص وتوجهنا من طرق فرعية الى الغور وقطعنا الجسر وتوجهنا الى الشونة وفي وادي شعيب بدأت الطائرات بالقصف فنزلنا وإرتمينا كلنا على الأرض لحماية أنفسنا وإستمر الحال على هذا المنوال حتى وصلنا السلط ( لم نكن نعرف المناطق التي ننزل بها وكان فكان عمنا السائق يقول لنا وصلنا .. الشونة الجنوبية ..وصلنا وادي شعيب ...وصلنا السط ... ) خرجنا من السلط بنفس الحالة من التوتر وبكاء الأطفال الكثر الموجودين معنا حتى وصلنا صويلح وبعد الدوار الحالي لصويلح كان هناك شارع على الشمال صعدنا به وهناك يوجد مدرسة تحت الإنشاء ايضاً تجمعنا بها مع عدد من الأسر الفلسطينية الأخرى وإحتضنتنا هذه المدرسة لعده أيام تفرق بها بعضنا عند أقارب لهم وسكنوا معهم وما زالوا وبعضنا أثر العودة والإنتظار حتى يفرجها الله علينا وبالفعل حصل لنا المراد بالعودة بعد أن سمعنا أن عدد من الفلسطينيين عادوا بسلام فقررنا العودة تجمعنا في جبل الجوفه عند أحد الأقارب وقبل طلوع الشمس حملتنا سيارات صغيرة الى الشريعة ولم نكن لنتمكن من العودة عبر الجسر لأنه معطل ومحتل من العدو ..... ومن إحدى المناطق الضيقة أصبح الشباب الكبار منا وبمساعدة بعض الرجال الذين يعملون بأجر على نقل الناس من ضفة إلى الأخرى تم نقلنا جميعا ولما أصبحنا على الضفة الأخرى صرخ جدي رحمه الله بوالدتي قائلاً أين إبنك الصغير وإذا بنا نسيناه على الضفة الشرقية فعاد عمي ليحضره وبالفعل كان مختبئا خلف الشجر هناك ، سرنا بطرق وعرة جدا حتى صرنا بصحراء قاحلة لا يحمينا بها شيء لا ظل ولا شجر ولا حجر سوى جثث مزقتها النيران وجيف لحيوانات نفقت أو ضربت بالنار حيث كان اليهود يطلقون النار على كل شيء متحرك ، وكان معنا دليل يدلنا على الطريق وبالفعل وصلنا الى منطقة البيارات فحمدنا الله على السلامه ومن هناك توجهنا إلى بيت قريب لنا هناك له بيارة صغيرة جلسنا عنده قليلا وطلب منا الجلوس ولكننا كنا مشتاقين للعودة للحبيبة القدس العزيزة فأسرعنا بالنهوض وتدبير سيارات للخروج بها والسفر الى القدس وكان ما كان وصلنا بمشقة الى الحوش كل يتفقد بيته ومنزله وكان الهجران والهجر واضح على المنازل والبيوت والطرقات فالعديدين لم يعودوا لغاية الأن ، وكان بعضامنا عاد قبل عدة أيام ومنهم عمي صاحب الدكان الذي كنت اعمل به قبل الحرب ، ذهبت له وسلمت عليه ، ودون مقدمات طلب مني العودة للشغل وبسرعه لأنه محتاجنا معه وبالفعل داومت بالعمل ، ولكن الوضع مختلف والوجوه غريبة ومن نتعامل معهم غرباء مدججين بالسلاح ،،، مرت الأيام وإنتهت عطلة المدارس فعدنا للمدرسة وإذا بنا نفاجأ بأنه علينا التعلم لغة جديدة اللغة العبرية وكنت يومها بالصف الرابع الإبتدائي وكان ماكان .
هذه هي قصة واقعية أيامها تقارب العشرين يوما فقط فما بالك بأربعون سنه ولنا أو للحديث بقية


























08 يونيو, 2007 01:30 ص